سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

171

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

« خذ مثلا الأفعى - والجرز - فقد رأيت أكثر من مرة جرزا قابلته أفعى ! فعمد الجرز فورا إلى عود من الأرض ووضعه في فمه بشكل مستطيل ، بارز عن شدقيه واستقبلها على ذلك الوضع فكانت كلما دارت لتبتلعه أدار ذلك الواقي له وهو العود فيتعذر عليها بلعه وكثيرا ما ملَّت من مداعبته ويئست من ابتلاعه لما تحراه وأوجده بسوق الفطرة من أسباب الوقاية فانسلَّت ومضت . « والإنسان في تحري أسباب البقاء في هذا العالم الفاني بصورته - والباقي في جوهره - إنما يتحرى ما يتحراه الحيوان من أسباب الوقاية والحياة . فإذا رأيناه يلتجئ عند العواصف والأمطار لتحت الشجرة - فليس ذلك بصدفة - بل عن سائق وقصد وغاية وكل ذلك يرجع لحب الذات للوقاية وحفظ النفس . أما الصاعقة ، فالقوة الموجودة في الأشجار لجذبها أمر مبسوط مع ما ذكرناه في كتب الحكمة الطبيعية وغيرها مما يدرس في المدارس ، فليس في سقوطها شيء من الصدفة . وهكذا القول في كل ما هو جار وفي كل حادث على وجه الأرض ، له سبب وإن خفي . « فالصدفة - لعدم معرفة الأسباب - عند الجاهل « كثيرة » وعند العلم والعالم ، « قليلة » وعند القدرة الإلهية « معدومة » لا وجود لها : « وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيءٍ سَبَباً » [ الكهف : 84 ] . « والعلم أو التسلسل بمعرفة تلك الأسباب فمتوزع بين البشر يضيق ظرف العمر الإنساني عن استيعابها واستيفائها ولولا أنه « يُرَدُّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَي لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً » [ النحل : 70 ] لأمكنه أن يعلم أسباب حوادث كثيرة ولكن ما فات الفرد بالنسبة إلى قصرد عمره الطبيعي من التتبع يتلافى إكمال ذلك النقص النسبي من يأتي بعده من أفراد النوع . وكلما وصل إلينا من العلوم - مع خدمة ألوف الرجال لها متعاقبين من علماء محققين - وعلى مدى الأجيال العديدة - لم تزل بالنسبة إلى الحقائق الثابتة فيها « علوما ناقصة » أو هي في حقيقتها « قشور » لتلك العلوم في غايتها وحقيقتها . « فعلم الطب مثلا - ووجوده ملازم لوجود الإنسان لضرورته - مع كثرة من خدمه من فحول الرجال ، في مختلف الأجيال ، لم يزل ناقصا ، بدليل أن أمراضاً كثيرة